سبعة أيام في اسطنبول: خفايا وأسرار انتصار الأهوار الحلقة الثانية : الجفاف و هجرة المعدان

(حلقات يكتبها السيد رئيس المركز الإنمائي للطاقة والمياه الدكتور ليث شبر عن خفايا غير منشورة عن ملف الأهوار الت انضمت الى لائحة التراث العالمي في اجتماعات اليونسكو في اسطنبول بتاريخ 17 تموز 2016 )

الحلقة الثانية: الجفاف وهجرة المعدان

الأهوار.. جنة عدن.. كانت في الأزمان الأولى تفيض بالمياه العذبة،وتصدح أنواع الطيور في سمائها، وتختبئ بين قصبها وبرديها، وتسبح الأسماك في مائها.

وتجتمع حولها الحضارات سومر وأور وأريدو فهي مهد الكتابة والعمران ؛ فيها خط أول حرف وحولها بني أول قوس.. ويسكن هذه الجنة “المعدان” بأصولهم العراقية وملامحهم السومرية على جزر عائمة على الماء من القصب والطين، ليبنوا عليها صرائفهم الجميلة والصديقة والتي حافظوا على شكلها الجميل الاف السنين وبين الماء ترتع قطعان الجاموس وضحكات الأولاد الصغار يسبحون معهم ولايفترقان الا عند النوم.

لم تكن وزارة الموارد المائية حين استوزرها الوزير السابق الذي استقال في أزمة الاصلاحات واعية لما قد يصيب الأهوار من جفاف ولم يكن بين مستشاريها أو وكلائها أو مدرائها العامين من ينبهه على ذلك، أو لعله لم يستمع لهم فانحسرت المياه عن الأهوار وشح الماء، وقيل لنا أن الوزير من محافظة أخرى وهناك اتفاقات على اعطاء المياه وتحويلها الى مزارع الشلب في النجف والديوانية وهو ماحصل فعلا..

واذا كان أهل مزارع الرز هناك لديهم تأثيراتهم على سلطة القرار في المدينة التي رشحت الوزير فإن عرب الأهوار لاحول لهم ولاطاقة لهم بأن يصلوا الى مكتب السيد في النجف وإن وصلوا فلا أحد يجرؤ أن يوصلهم الى إليه لأسباب سنذكرها لاحقا ليتظلموا عنده ازاء مايفعله هذا الوزير.

قد يعجب البعض منا حينما يقرأ هذه الكلمات فيتبادر الى ذهنه السؤال التالي ولماذا هذا الاهمال واللاأبالية بل والكراهية للأهوار من قبل بعض المتنفذين في الوزارة والرؤوس القديمة وأولهم الوزير؟

أقول لو عرف السبب لبطل العجب فالعداء للأهوار قديم واعتبارها منطقة لافائدة فيها ايضا قديم فقد سنّهُ أول الأمر الأمريكان والشركات الأمريكية والبريطانية وسأنقل لكم نصا من ويكيبيديا جاء فيه : “ظهرت فكرة تجفيف هور الحمار في تقرير وليم ويلكوكس عام 1911 عندما اقترح تنفيذ ربط نهاية نهر الفرات في منطقة الطار مع مخرج هور الحمار في مدينة الجبايش ووضع سداد لهذا المجرى على الجانبين ليحرم هور الحمار من أهم مصادره المائية ونفذ هذا المقترح في ثمانينات القرن الماضي باسم الحفار، كما ظهر تجفيف هور الحمار في تقرير شركة تبيت وشركاءها عام 1958 باسم مشروع ري وبزل المالحة وقد تعرضت للتجفيف في التسعينيات من القرن الماضي وتحديدا بعد انتفاضة عام 1991 أو ما يعرف بــالانتفاضة الشعبانية، عقابا لسكان الأهوار الذين قاموا بانتفاضة ضد الدكتاتور صدام حسين. ولم يتبق سوى 4% من اجمالي مساحتها بعد تجفيف 96% منها”.

ومما لا شك فيه أن تنفيذ هذه الأفكار يتطلب بث ثقافة الاستهزاء والاستعلاء على هذه المنطقة،وخاصة في زمن الطاغية الذي طبقت في عهده كل الخطط الأمريكية القديمة والحديثة لتجفيف الأهوار، وبالذات من قبل هذه الوزارة والشخصيات المتنفذة فيها والتي لازالت الى اليوم متغلغلة فيها تؤمن بالفكرة القائلة ؛أن الأهوار مستنقعات لافائدة منها وانما هي أماكن لتجمع البعوض..ولولا برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بخصوص الأهوار منذ 2001 وتم البدء فيه منذ 2004 والدعوات الشعبية والجماهيرية لإغمار الأهوار لرأيت هؤلاء يصرحون جهارا بما يؤمنون من ضرورة تجفيف الأهوار والقضاء عليها قضاء مبرما فلا يغرنكم اليوم ماتسمعون منهم.

وللتاريخ لابد أن نذكر إن إغمار الأهوار بالمياه من جديد بعد سقوط صدام لم يكن بمساعدة المؤسسات الحكومية وان كان قسما من المسؤولين الحكوميين والسياسيين من كان يدعو لذلك، بل كانت بمبادرات أهلية وعشائرية من عرب الأهوار وقسم من الشباب الواعي الذي قام بفتح بعض السدود الترابية التي بناها صدام وتحطيمها وكانت هذه التصرفات الشجاعة من قبل الأهالي تقابل بازدراء كبير من المؤسسات المختصة ولكن الوضع حينها لم يسمح لهم بإيقاف هذه الأعمال.

ولكن ذلك لم يدم طويلا إذ عملت هذه الوزارة على قطع الماء.. والماء هناك هو الحياة وقطعه يعني الموت والجفاف،ولم تسمع مطالبنا وأصواتنا، وصَمّت هذه الوزارة آذانها،والحكومة مشغولة آنذاك بالاصلاحات وحزمها،وكانت الوزارة تقدم لها التقارير المضللة مثلما استعملت الاعلام لذلك. وكان لابد من تأجيج الرأي العام والأصوات المخلصة في المحافظة فهب الشباب والشيوخ للمساندة فهذا يكتب قصيدة شعر وذاك يفتح صفحة في الفيس بوك ولكن الجفاف بدأ يزحف على المنطقة والمياه تنحسر رويدا رويدا كأنه قتل بطئ، فنفقت الاف الجواميس وهجرت المعدان صرائفها ودموعهم بين مآقيهم لتجرب الحياة في المدينة.

وفي هذه اللحظات كانت الزيارات من خبراء اليونسكو على قدم وساق ليقدموا تقاريرهم الفنية التي على أثرها يكون التصويت بانضمام الأهوار من عدمها،وكان يمكن وقتها أن تكون هذه التقارير على عكس مايتمناه المحبون وأصحاب الملف.ولكن كرم أهل الأهوار وطيبتهم والنزر القليل المتبقي من المياه وشموخ القصب وأعراس العصافير ورائحة السمك المسكوف وخبز الطابك والقهوة العربية كانت كفيلة بأن يعشقها الخبراء وإن كان الصيف اللاهب يحرق وجوههم فالعاشقون للأهوار وملاحمها لايعبأون بصغائر الأمور.

يتبع الحلقة الثالثة.. إيشان قبة وإحياء الأهوار

Leave a Reply